الهيبة المهنية لمهندس الموقع
فيه سر صغير في المواقع… سر مابيتكتبش في كتب الهندسة، ومابيتشرحش في الكلية. السر ده هو الفرق الجوهري بين المهندس اللي بيقضي يومه كله بيزعق في التليفون وفي العمال، وآخر اليوم بيلاقي الشغل واقف ومشاكل الجودة مالية المكان… وبين المهندس اللي نادراً ما بتسمع صوته، لكن كلمته بتمشي زي الألف.
أغلب المهندسين الجداد (وحتى بعض القدامى للأسف) بيقعوا في أزمة الصوت العالي.
بيعتقدوا إن الهيبة بتتجاب بالزعيق. بيعتقدوا إن السيطرة معناها إنك تكون عصبي ومش طايق نفسك طول الوقت. بيعتقدوا إن الخوذة البيضا بتديلهم الحق يدوسوا على الفنيين والعمال عشان الشغل يمشي.
لكن الحقيقة اللي بنعرفها بعد سنين من الشغل في المواقع والشمس والتعامل مع كل أنواع البشر… إن القوة الحقيقية عكس كده تماماً.
وهنا بييجي السؤال اللي بمليون جنيه: إزاي تبقي المهندس اللي الناس تسمع كلامه من غير ما تعلي صوتك؟
إزاي توصل لمرحلة إنك تدير الموقع بـ “الهيبة” مش بـ “الخوف”؟ إزاي تحول سلطتك من سلطة منصب (اللي بتنتهي أول ما تلف ضهرك) لـ “سلطة احترام” (اللي بتخلي الناس تشتغل بأمانة وجودة حتى وأنت مش موجود)؟
النوع الأول: مهندس الصوت العالي
ده بيبدأ يومه بزعيق، وينهيه بزعيق. دايمًا مشدود، وبيتعامل مع العمال والفنيين كأنهم أعداء في حرب. بيعتبر إن صوته العالي هو مقياس سيطرته. النتيجة؟ العمال بيشتغلوا على قد خوفهم. أول ما يلف ضهره، الشغل بيقف، أو بيتعمل بكروتة. جودة الشغل في الأرض، وهو بيصرف 80% من طاقته في إثبات إنه مسيطر و 20% بس في الشغل الحقيقي.
النوع الثاني: المهندس الواثق
ده نادرًا ما تسمع صوته وماشي في الموقع بخطوات محسوبة. مش بيجري، ومش بيمشي ببطء. لما بيوصل عند طاقم شغال، بيقف يتفرج دقيقتين قبل ما يتكلم. ولما يتكلم، نبرته هادية، وواضحة، ومحددة. تلاقي الفورمان والعمال بيسمعوه بتركيز شديد. يسأل سؤالين تلاتة، يدي توجيه واحد، ويمشي. بعدها، تلاقي الطاقم ده “بيجري” ينفذ اللي قاله بالمللي، وبأعلى جودة، حتى لو هو مش واقف فوق دماغهم.
إيه الفرق؟
الفرق هو “الهيبة المهنية”. القدرة على إنك تتحكم في سير العمل وتفرض معايير الجودة والسلامة من غير ما تحتاج ترفع صوتك أو تلوح بالعقوبات. دي مهارة لو أتقنتها، أنت مش هتوفر 80% من وجع الدماغ بس، أنت هتكون كسبت 100% من ولاء واحترام فريقك.
إزاي توصل للمرحلة دي؟ فيه 5 حاجات أساسية انا شايفهم لازم يكونو موجودين عندك:
1. اتكلم بثقة… مش بقوة
الفني أو الصنايعي الشاطر، اللي قضى 10 أو 15 سنة في الصنعة، بيعرف المهندس “المهزوز” من أول 10 ثواني. بيعرفه من طريقة وقفته، من حركة إيده، ومن “رعشة” خفيفة في صوته. هو عارف كويس جداً مين اللي حافظ كلمتين من اليوتيوب وجاي يطبق، ومين اللي “قارئ لوحات” و “فاهم مواصفات”.
الثقة مش معناها صوت عالي. القوة مش معناها زعيق.
القوة الحقيقية هي “ثقة المعرفة”.
-
المهندس الضعيف (صاحب الصوت العالي): بيستخدم قوته الوظيفية (سلطته علي الناس اللي تحت منه). “اعمل اللي بقولك عليه وانت ساكت.. انا المهندس!” ده بيفتح عليه باب جدال مالوش آخر، وبيخسر احترام الناس.
-
المهندس القوي (صاحب الصوت الهادي): بيستخدم قوة “المعرفة”. مش محتاج يقول “أنا المهندس”، هو بيقول: “يا ريس المواصفة بتقول إننا لازم نعمل اختبار العزل (Megger Test) للكابل ده قبل ما نسجبه على اللوحة علشان نتأكد انه سليم، واللوحة دي جاية من المصنع والمفروض نعمل اختبارات الـ Site Acceptance Test (سواء اللي بيعمله مهندس الموقع او مهندس الجودة) . جهزلي فريقك، وعايزين تقرير الاختبار ده قبل نهاية اليوم عشان نسلم الشغل للاستشاري بكرا.”
شايف الفرق؟ التاني بلغ بـ “الأمر” و “السبب” و “المعايير” و “الخطة الزمنية” في جملة واحدة هادية. الفورمان هنا هيرد بـ “حاضر يا باشمهندس” وهو مبتسم، لأنه عارف إن المهندس ده “فاهم هو بيعمل إيه”.
وآه الفورمان بيتقاله يا ريس في الموقع عادي.
إزاي تبني الثقة دي؟
-
حضر شغلك: إوعي تنزل الموقع وأنت مش مراجع اللوحات (Shop Drawings) الخاصة بالمنطقة اللي رايحها. لازم تبقى عارف الشغل المطلوب منك أكتر من اللي هينفذه.
- راجع آخر موقف تنفيذي: المنطقة اللي انت نازلها لازم تكون عارف الشغل كان واقف فين امبارح، والمفروض يكون وصل لفين دلوقتي.
-
لغة الجسد: 90% من الثقة بتوصل من غير كلام. وقفتك لازم تكون ثابتة . بص في عين اللي بتكلمه مباشرة.
-
نبرة الصوت: مش عالية، ومش واطية. تكون ثابتة. اتكلم ببطء كافي يخلي كل كلمة مسموعة ومفهومة.
الثقة دي هي الدرع بتاعك في الموقع.
2. افهم قبل ما تأمر
أكبر غلطة بيقع فيها المهندس الجديد (وأحياناً القديم المستعجل) هي “القرارات المتسرعة”. يشوف حاجة من بعيد، شكلها غلط، فيروح يزعق ويأمر: “وقف شغل يابني! مين اللي قال تعملوا كده!”.
بعد دقيقتين يكتشف إنهم ماكانوش بيعملوا اللي هو افتكره، أو إنهم بيحلوا مشكلة تانية هو مش واخد باله منها، أو إن الاستشاري نفسه هو اللي طلب التعديل ده مؤقتاً، أو مدير التنفيذ في الموقع هو اللي طلب ده يتعمل.
في اللحظة دي هيبتك اتبخرت.
ملحوظة جانبية: كونك مهندس موقع، مينفعش أي حد غيرك يدي أوردر للتيم بتاعك وهما يشتغلوه من غير ما يرجعولك، وتبلغهم بده، وتنبه عليهم إن حتي لو صاحب الشركة نفسه جه وطلب منه يتحرك من مكانه ويروح يعمل حاجة تانية لازم يبلغك انت الاول وانت يا تقبل يا ترفض، صدقني دي حاجة هتعلي من مكانتك وهتبان مهندس مسيطر وفاهم شغلك. بس لازم تضمن حقوقهم وإن محدش غيرك ليه سلطة عليهم انه يجازيهم مهما كان مين، لأن برضو ساعتها هيبتك هتروح.
قبل ما تبدأ كلامك بأمر، ابدأه بسؤال:
-
“صباح الخير يا رجالة، إيه الأخبار؟ شغالين في إيه بالظبط؟” (هنا انت بتكسر حاجز الرهبة وبتخليهم يشرحوا، وده بيديك فرصة تفهم).
-
“طيب ليه بنعملها بالطريقة دي؟ وإيه المشكلة اللي وقفتكم؟” (ده أهم سؤال، ممكن تكتشف إن عندهم طريقة أحسن، أو إن فيه معوق هما بيحاولوا يتفادوه، وفي نفس الوقت بتعرض المساعدة مش بتصطاد الغلطة).
لما بتسأل، أنت بتعمل حاجتين:
-
بتجمع معلومات: بتفهم الصورة كاملة.
-
بتحسسهم بالاحترام: إنك مقدر خبرتهم وبتاخد رأيهم حتى لو القرار في الآخر بتاعك.
بعد ما تسمع منهم، وتفهم الموقف، وتراجع اللوحة اللي في إيدك، ساعتها قرارك بيطلع موزون. حتى لو كان قرارك “وقفوا الشغل ده، ده غلط”، هيتقبلوه. ليه؟ لأنهم شافوك بتحقق و بتفهم الأول. ما حسوش إنك جاي تستعرض عليهم سلطتك.
3. ماتجادلش… وضّح
أنا دايمًا بقول: الفورمان مش خصمك… الفني هو إيدك اليمين في الموقع. لو كسرته، هتشتغل بإيد واحدة.
الجدال في الموقع بيضيع وقت، وبيكسر الروح المعنوية. لو دخلت في جدال مع فورمان كسبته، أنت خسرت احترامه. لو هو كسبك، أنت خسرت هيبتك. في الحالتين أنت خسران.
الفورمان أو الفني العنيد غالبًا عنده سبب من اتنين:
-
هو شايف إن الطريقة اللي بتقولها دي أصعب أو هتاخد وقت أطول.
-
هو مش فاهم أهمية اللي بتطلبه (شايفه فزلكة).
هنا يجي دور التوضيح بدل الجدال:
-
لا تجادل: “يا ريس أنا مش هجادلك. الكلام ده لازم يتنفذ.” (ضعيف)
-
وضّح: يا ريس أنا عارف إن الطريقة دي هتاخد مننا ساعة زيادة. بس المواصفة هنا واضحة، ولو ما اتعملتش كده، الاستشاري هيرفض البند كله، وهنضطر نعيده على حسابنا الأسبوع الجاي، وساعتها هنخسر يوم كامل مش ساعة واحدة. خلينا نعملها صح من أول مرة ونرتاح.
أنت هنا عملت إيه؟
-
اعترفت بوجهة نظره إنها هتاخد وقت.
-
اديت السبب والمنطق (رفض الاستشاري).
-
وضحت العواقب (إعادة الشغل).
-
استخدمت كلمة “إحنا” (خلينا نعملها)، حسسته إنكم في مركب واحد.
وده هيخليه ميكررش الكلام معاك وكلامك أوامر من غير دخول في نقاش.
4. ماترجعش في قرارك… إلا لسبب وجيه
“المهندس المتردد” هو كارثة ماشية على رجلين في الموقع.
الموقع محتاج قرارات. كل ساعة بتعدي بفلوس. العمال واقفين مستنيين توجيه. لو كل ما يسألوك “نعمل إيه يا باشمهندس؟” ترد بـ “مممم… طيب… مش عارف… طب استنوا شوية”، هيبتك بتضيع.
ولو أديت قرار، وبعد نص ساعة حد صوته علي عليك أو “زن” عليك سواء مديرك في الموقع او غيره، فرجعت في كلامك… أنت حرفياً بتسلم مفاتيح الموقع للي صوته أعلى.
القاعدة بتقول: خد وقتك في القرار، بس لما تاخده، امسك فيه.
-
قبل القرار: لو مش متأكد، ماتتكسفش. قول “ادوني 10 دقايق أراجع اللوحة والمواصفة وهرد عليكم”. ده بيدي انطباع إنك “دقيق” ومش “متردد”.
-
بعد القرار: لو أديت قرار (مثلاً: “ابدأوا مد الكابلات في المسار ده”)، دافع عن قرارك بناءً على اللوحات والمواصفات.
-
الاستثناء (وده اللي بيفرق المهندس الشاطر): طب لو اكتشفت إن قرارك غلط بسبب لوحة جديدة وصلت، أو معلومة ماكانتش عندك؟
-
المهندس الضعيف: بيكابر، ويخلي العمال يكملوا غلط عشان “كلمته ما تنزلش الأرض”، والمصيبة تكبر.
-
المهندس القوي (الواثق): بيقول بوضوح: “يا رجالة، ستوب. وصلني تحديث على المسار ده من المكتب الفني. المسار القديم هيتعارض مع خطوط الحريق. الشغل هيقف هنا، وهنبدأ في المسار الجديد ده فوراً.
-
أنت هنا رجعت في قرارك، بس رجعت “بسبب فني قاهر”، مش عشان حد “زن” عليك. أنت رجعت بـ “قرار جديد” أقوى، وده بيزود هيبتك مش بيقللها، لأنهم بيعرفوا إن عينك على الصح مش على “كبريائك” الشخصي.
5. إدّي الـ Credit لصاحبه
في بيئة الموقع القاسية (تراب، حر، ضغط نفسي)، الكلمة الطيبة هي تكييف مجاني للعمال. إحنا كمهندسين، للأسف، أغلبنا شاطرين بس في “اصطياد الأخطاء”. بنلف طول اليوم ندور على الغلط. لكن لما بنشوف شغل نضيف بنعدي من جنبه ونسكت.
ده غلط قاتل.
الفني الشاطر اللي “لف” الكابل صح، أو “وزن” اللوحة بالمللي، أو “ربط” المسامير بـ Torque Wrench مظبوط أو رسم الكابلات وهو بيعمل ترمنيشن… هو فنان شايف شغله صنعة مستني منك كلمة تقدير.
لما تقوله قدام زمايله: “تسلم إيدك يا ريس، شغل تقفيل اللوحة دي يتدّرس. الترتيب والنظافة 10/10.
أنت بالكلمة دي مش بس رفعت معنوياته هو شخصياً، لأ ده انت خليت بقية العمال عايزين يبقوا زيه عشان ياخدوا نفس التقدير. ده غير إنك بنيت جسر “ولاء” بينك وبينه. المرة الجاية لما تطلب منه شغل مستعجل أو صعب، هيعمله مهما كان إيه.
بالمناسبة، متبالغش في المدح علشان محدش يتمادي، وفي نفس الوقت متقولش لكل الناس نفس المدح، لازم كلمة الشكر والمدح لما تطلع منك يكون ليها هيبتها ووزنها برضو.
ومتنساش قاعدة الإدارة الذهبية: انتقد في السر… وامدح في العلن
لو فيه غلطة، خد الفورمان على جنب واتكلم معاه. لو فيه شغل حلو، قولها بصوت عالي قدام الكل. صدقني ده هيفرق جداً في التعامل بعد كده.
بمناسبة الـ Credit .. في نصيحة مهمة جداً لازم تعرفها وتسمعها وتعمل بيها كمان .. إوعي في حياتك تاخد فكرة حد وتنسبها لنفسك سواء كان فني أو مشرف، أو مهندس زميل.. دي إسمها سرقة، زي ما فيه سرقة مادية فيه كمان سرقة معنوية
وقبل ما اختم كلامي، فيه حالة وحيدة فقط لازم تستخدم فيها الصوت العالي .. مخالفة سيفتي خطيرة ممكن تؤدي لكارثة.
لما تشوف عامل شغال على السقالة من غير حزام أمان ويكون علي ارتفاع عالي. أو لما تشوف حد بيرفع وزن تقيل بطريقة غلط وهيعور نفسه. لما تشوف حد شغال في لوحة كهرباء من غير ما يفصل المصدر.
هنا الزعيقوالصوت العالي مش اختيار، ده واجب .. صوتك العالي هنا مش لفرض الهيبة، ده لإنقاذ حياة.
ده الموقف الوحيد اللي مسموح لك فيه “تزعق” بصوت يجلجل في الموقع. توقف الخطر فوراً.
ملحوظة: مهندس الموقع لازم يكون ليه هيبته، مينفعش الفنيين يتعودو انهم يشوفوك طول اليوم جمبهم في الشغل، دي شغلانة الفورمان اللي معاك مش شغلانتك، نزلتك لازم تكون ليها هيبة، لازم يشوفوك من بعيد يقولو الحق ده المهندس جاي، إحترام أكتر منها خوف. دورك تكون في الموقع آه بس متبقاش مقيم فيه. وازن بين قعدتك في المكتب لتجهيز الشغل ومراجعة اللوحات والكلام ده كله، وبين نزولك للموقع.
